محمد متولي الشعراوي
6143
تفسير الشعراوى
وكأن المسافة بين نطق فرعون بالأمر وبين تنفيذ الأمر هي أضيق مسافة وقتية ، وذلك حتى نفهم أن أمر صاحب السلطان لا يحتمل من الناس التأجيل أو التباطؤ في التنفيذ . والقرآن حينما يعالج أمرا من الأمور فهو يعطى صورة دقيقة للواقع ، ولا يأتي بأشياء تفسد الصورة . يقول الحق سبحانه : فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 80 ) [ يونس ] وفي هذه الآية تلخيص للموقف كله ، فحين علم السحرة أن فرعون يحتاجهم في ورطة « 1 » تتعلق بالحكم ، فهذه مسألة صعبة وقاسية ، وعليهم أن يسرعوا إليه . ولم يأت الحق سبحانه هنا بالتفصيل الكامل لذلك الموقف ؛ لأن القصة تأتى بنقاطها المختلفة في مواضع أخرى من القرآن ، وكل آية توضح النقطة التي تأتى بذكرها « 2 » . لذلك لم يقل الحق سبحانه هنا : إن أعوان فرعون نادوا في المدائن « 3 » ليأتي السحرة ، مثلما جاء في مواضع أخرى من القرآن « 4 » .
--> ( 1 ) الورطة : الوحل تقع فيه الغنم فلا تقدر على التخلص منه . يقال : تورطت الغنم إذا وقعت في ورطة ، ثم صار مثلا لكل شدة وقع فيها الإنسان . وتورط فلان في الأمر ، واستورط فيه : إذا ارتبك فيه ، فلم يسهل له المخرج منه . [ لسان العرب : مادة ( ور ط ) ] . ( 2 ) وهذه ميزة القصص القرآني في الإشارة إلى قصصه عدا قصة يوسف عليه السّلام . ( 3 ) المدائن : جمع مدينة ، وهي القرى الكبيرة . وقد ورد هذا الجمع في القرآن خاصا بقصة موسى ثلاث مرات ، أما المفرد منه فقد جاء 14 مرة منها 4 مرات خاصة بمدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم [ التوبة : 101 ، 120 ] [ الأحزاب : 60 ] [ المنافقون : 8 ] . ( 4 ) وذلك في قوله تعالى عن سحرة فرعون : قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 111 ) [ الأعراف ] ، وقال تعالى : قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 36 ) [ الشعراء ] .